جديد الأخبار
جديد المقالات
المقالات
المقالات
مشروع الملك عبد العزيز لتوطين البدو الرحل في الهجر
مشروع الملك عبد العزيز لتوطين البدو الرحل في الهجر
10-11-2012 10:35

مشروع الملك عبد العزيز لتوطين البدو الرحل في الهجر


المقدمة

الحمد لله رب العالمين له سبحانه وتعالى اجل الحمد على ما أسدى من فضل وما وفق من جهد ويسر من عمل في تأليف هذا البحث المتواضع الذي يتحدث عن مفخرة من مفاخر الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الـ سعود ، رحمه الله ، ألا وهي قيامه بأول مشروع نوعه لتوطين البدو في الجزيرة العربية بل تعتبر الأولى من نوعها في الوطن العربي قاطبة له ، فأسكنهم في هجر وأطلق عليهم مسمى " الإخوان " . فكانت أكبر وأضخم عملية توطين في التأريخ البشري ـ إن صح التعبير ـ والتي على إثرها تحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي ، واطرد النمو الاقتصادي ، فضلا عن القضاء كلية وعلى النزعة القبلية وطمس الشعارات العنصرية ، والتحول بالمجتمع القبلي إلى مجتمع زراعي مستقر متحضر ، فسادت الأخوة بين الناس ، فتوحد الصف وتوحدت الكلمة ، ما أدى إلى استقرار البلاد وشيوع الأمن وعم الأمان وبالتالي كان مدعاة لزيادة الخير .
ولقد تطرقت في هذا البحث عن وضع البلاد قبل قيام المملكة العربية السعودية على يد موحدها وباني نهضتها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الـ سعود ، وما كان يسود تلك الحقبة وقبل التوحيد من تشتت وفوضى وجهل وانقسامات وانعدام أمن ، ثم عرجت على فكرة الملك عبد العزيز الرائدة في توطين البدو الرحل في هجر ، وكذلك توضيح وتبيان العوامل التي استعان بها بعد توفيق الله لتحقيق مشروعه ، ثم تطرقت لمآثر هذا المشروع وفوائده الجمة التي عمت ، ثم بينت بعض العوائق والعقبات التي واجهت البدء في إنشاء هذا المشروع العظيم ، وكيف استطاع الملك عبد العزيز رحمه الله بفضل من الله عز وجل ، اجتياز هذه التحديات بعزيمة فذة بددت قوى الظلم وجحافل ظلام الجهل ، ثم وضعت خاتمة تبين أهمية ذلك التوطين وفائدته القصوى .أسال الله أن أكون قد وفقت في توضيح القليل من الكثير عن ذاك المشروع ، وأن ينفع بهذا العمل ، إنه نعم المولى ونعم المجيب والنصير .
وضع البلاد قبل حكم الملك عبد العزيز

.. لا يخفى على ذي لب ، ما كانت ترزح فيه البلاد من وضع مزري ، قبل حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الـ سعود . فقد كانت البلاد مشتتة ، ومفككة ، وممزقة الأوصال ، ومنقسمة على نفسها ، إلى أقاليم ، وإمارات عشائرية ، ومجموعة متناثرة ومتفرقة من القبائل المتباينة التوجهات ، والمتناحرة فيما بينها ، التي تعيش في خلل أمني ، واضح للأعيان .. تسودها الفوضى ويشيع بين قبائلها ورجالاتها القتل والسلب .. فقد كان سائدا منهاج الغزو . لأن في تلك الحقبة الزمنية الغابرة كان مفهوم البطولة والشجاعة هو أن يُغير فلان على فلان أو أن تغير المجموعة الفلانية أو تهجم القبيلة الفلانية على القبيلة الأخرى ، وتأخذ ما يقع تحت يدها سواء كان محصولا زراعيا أو ماشية ، وطبعا يتبع هذا الفعل الشنيع إزهاق الأنفس ، وسفك الدماء وتيتيم الأطفال ونهب للأموال ونشر للظلم والعدوان وإشاعة للفوضى ، والإفساد في الأرض . وكان تنازع القبائل فيما بينها هو لإظهار القوة والسيطرة على موارد العيش ومواطن الكلأ والماء ، وهذا أدى بالتالي إلى الصراع على السلطة والتنافس على السيادة ، ما كان سببا في التفكك السياسي والاجتماعي ، كما كان لضعف الوازع الديني أثر ظاهر في انتشار البدع والخرافات وظهور بعض الأمور الشركية التي لا تتفق مع الدين الإسلامي . مثل بناء القباب على القبور ، والتبرك بقبور الصالحين والتمسح بها ، وتقديسها أو التوسل بها ، لهذا كانت البلاد في حاجة ماسة على حكومة قوية توحد بلداتها وتجمع قبائلها وتؤلف بين عشائرها ، وتحقق الأمن في ربوعها وتنشر في أرجائها عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك .
إن المتتبع لوضع البلاد قبل قيام الدولة السعودية الثالثة يرى ببصيرة ثاقبة لا يداخلها الشك قطعيا أنه من الصعوبة بمكان أن تُبدل حياة الترحال والاقتتال والنزاعات بين القبائل ، وأن يُغير استحلال سفك الدماء وسلب الأموال وترك شعائر الدين وقطع السبيل والسطو على ممتلكات الآخرين لأن ثقافة الغزو والشجاعة الجاهلية هو
ما يعتبره البدوي وفي عرفه قوة وبطولة وبه يشهد ويقر رفاقه وقومه له بالشجاعة ويتفاخرون بفعله عن القاصي والداني ومجال للمفاخرة والمباهاة تتناقله الركبان .لأن المعروف والذي كان سائدا إبان تلك الحقبة . أن الفرد من أهل البادية " يكتسب مكانته الاجتماعية إما بقدرته على القتال ( وبروزه في ساحات الغزو القبلي ) ، أو بانتمائه إلى أسرة يكثر عدد المحاربين فيها " (1).
إنه ليس من اليسير إزالة أو تغيير هذا الوضع المأساوي الجاثم على كاهل هذا الوطن ، وإنه ليس بالأمر الهين أن تجعل هؤلاء القوم المتناحرين والمتنافرين مجموعة واحدة وأُسرة متماسكة ، يستوطنون في مكان واحد تسودهم المحبة والألفة .. ولكن بفضل من الله أصبح هذا المحال سهلا تحقيقه على أرض الواقع . فلقد استطاع الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وبتوفيق من رب العزة والجلال أن جعل هذا العسير يسيرا ، وذلك الحلم واقعا ملموسا وواضحا كوضوح الشمس في رائعة النهار . حيث رأى مؤسس وباني نهضة هذه البلاد ـ بثاقب فكره ورجاحة عقله أن البادية هي أصل ومادة العرب . وخيرها وفير ونفعها كثير متى ما استقام أمرها وصلح حالها " وأن حياة البداوة غير المستقرة هي أيضا من العوائق الأساسية في إنشاء الدولة التي يريدها " (2). لذا استغل ـ رحمه الله ـ حنكته السياسية ودرايته وإلمامه بالأوضاع الاجتماعية في البادية . فقام بإنشاء هجراً لتوطين البادية والتي تعتبر بطبيعة الحال من مفاخره . فكان ذلك مدعاة لاستقطاب أهل البادية الرّحل وقدومهم فرادا وزرافات إلى هذه الهجر ، حيث وجود الماء ورغد العيش . فأدى هذا لتغيير ثقافة أهل البادية المتأصل فيهم حب الغزو واستباحة القتل وسارعت كل قبيلة قريبة من تلك الهجر إلى الانتقال إليها ، وعندها شَيّد كل فرد ، أو أسرة بيتا ، واعتنى بتربية ماشيته ، وطغى الاهتمام الغير عادي بشؤون الزراعة وأمور الفلاحة . ما جعل أبناء تلك القبيلة يستأثرون الاستقرار والسكنى في هذه الهجر عوضا عن الانتجاع في أصقاع البيد بحثا عن الكلأ والماء ، والصراع المر والمستمر في سبيله .
لقد أدرك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الـ سعود أن من سبقه من الـ سعود ممن حكموا في فترات الدولتين السعوديتين ( الأولى ، والثانية ) ، أنهم لم يولوا البادية جل ما كانت تستحقه من اهتمام . " فكان من أبرز الأمور التي فكر في تحقيقها ملياً وهو يسير قدما في إنشاء مملكته .. تحضير العشائر ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، لكي تقلع عن العادات الموروثة في الغزو والكسب عن طريق السلب "( 3) .. فكانت فكرته التي تمحورت على واقع ملموس لتوطين البدو في مستقرات خاصة ، وبث الروح الدينية في نفوسهم . وتتمثل هذه الفكرة العظيمة في دعوته ـ طيب الله ثراه جعل الجنة مثواه ـ للقبائل الرّحل بترك حياة الارتحال وإبدالها بالاستقرار في هجر زراعية حرص رحمه الله أن يكون موقعها مناسبا وأن تتوافر فيها سبل الحياة الهانئة والمناسبة لبيئة وتطلعات هؤلاء البدو كوجود بثر ماء ونحو ذلك . وعلى هذا النسق سار الملك عبد العزيز الـ سعود في تنفيذ هذا المشروع الجبار بخطى سريعة وواثقة يستعد للمستقبل بقوة لا تلين وعزم لا يستكين . فكان من أوائل الهجر التي أنشأها لتوطين سكان البادية ، قرية تقع على الطريق الممتد من الكويت إلى بريدة . تسمى ( الإرطاوية ) (4 ). التي يتواجد بها عدد محدود من الآبار ، لذا كانت تمر بها القبائل ويأوي غليها الرعاة عند بحثهم عن الماء والمرعى ، فضلا عن القوافل التي تطرقها ، وكانت تجتازها جموع المسافرين فيريحون بها أو يقطنون عليها للتزود من ماء تلك الآبار سواء لأنفسهم أو لسقيا بهائمهم . فكانت تلك الهجرة هي النواة الأولى في تحضير أهل البادية . وبالتالي أعقب إنشاء هذه الهجر قيام حركة غير مسبوقة بين البدو لترك حياة البادية وأصبح لديهم رغبة جامحة في السكنى في الهجر ، حيث زاد من شوقهم واندفاعهم لاستطابة العيش في الهجر هي الدعاية المخلصة والصادقة التي كان يحث عليها الخطباء والمرشدين ، والوعاظ ، ما كان له الأثر المستجاب في النفوس ، فقامت كثير من القبائل باستبدال الحياة البدوية بالحياة القروية .
وسارعت كل قبيلة في إنشاء هجرة لها ، كهجرة ( الغطغط ) التي شيدتها قبيلة عتيبة ، وهجرة ( دخنه ) لقبيلة حرب ، وهجرة ( الصرّار) للعجمان ، وغيرها الكثير .. وكان الملك عبد العزيز يراقب ويتابع هذا التحول الجذري عن كثب وعن قرب فقدم لهم يد العون والمساعدة ، حيث أمدهم بالإعانات وأغدق عليهم بالمساعدات المالية من أجل التشجيع لهم على التشييد والبناء والسكنى ، وعلى هذا المنوال أخذت الهجر تتسع وتزداد في البلاد ، ويزداد سكانها مع مرور الأيام وتعاقب الأعوام .

أول هجرة

تجمع العديد من المصادر والمراجع التاريخية أن تأسيس أول هجرة زراعية وأول بلدة تجمع ما بين خليط من مختلف القبائل والفلاحين حيث تربط بينهم روابط الدين والشعور التام بالولاء الواجب تجاه الدولة كان تقريبا عام 1330 هـ ( 1912م )
( 5) متمثلا في إنشاء هجرة الإرطاوية وبسبب نجاح هذا العمل الكبير وتحقيقه للآمال والطموحات والأهداف المنوطة به والتي كانت مؤملة من تنفيذه أن آذن الملك عبد العزيز بالسعي في تشييد وإقامة أكثر من ( 132 ) هجرة ( 6 )


جهود الملك عبد العزيز في استقطاب البدو لاستيطان الهجر

استخدم الملك عبد العزيز الـ سعود طرق عديدة ووسائل ترغيب متنوعة والتي تصب في المصلحة العامة والرغبة المنشودة في تشجيع أهل البادية في المكوث في هذه الهجر ومن ذلك :
ـ تشجيع بعض القبائل على الاستيطان في الهجر والسعي للتحضر وتوزيع الأراضي عليهم من أجل عمارها كما فعل مع قبيلة " مطير " الذين أعطاهم هجرة الإرطاوية ليسكنوا فيها وهذا ولد غيرة محمودة عند القبائل الأخرى التي أرادت أن تحذوا حذوها وتنال مثل ما نالت :
ـ توفير مياه الآبار سواء بحفر واستحداث آبار جديدة أو بتحسين وإحياء الآبار القديمة للقدرة على استيعاب هؤلاء البدو ومن معهم من الفلاحين .
ـ اختيار الموقع المناسب الذي تتوافر به التربة الخصبة والمراعي الجيدة وتمركزها على التقاء الطرق وعبور القوافل :
ـ تشجيع المستوطنين الجدد من أهل البادية من خلال تقديم إغراءات لهم ذات أهمية قصوى لديهم كإعطاء كل رجل منهم بندقة وعتادا .
ـ أوجد في هذه الهجر دعاة ووعاظ ومرشدين مصلحين يطلق عليهم المطاوعة " ٌرشاد الناس لسبل الخير وتعريفهم بأمور دينهم ونصحهم بترك ما يسيء لهم من أمور الجاهلية والعنصرية ، وتعليمهم الطاعة الحق لله عز وجل في إتباع ما أمر به واجتناب مانُهي عنه وزجر ... ويكون هذا المرشد غالبا هو واعظ القبيلة وخطيب مسجدها وإمامها في الصلاة ، وله رأي مسموع في البت أو إدارة شؤونها العامة والخاصة .
ـ تشجيع هؤلاء السكان على حسن استثمار تلك الأراضي البور واستصلاحها بزراعتها وإمدادهم بالآلات المساعدة على ذلك .
ـ أحكم رابط القبيلة بشيوخها ، واعتبر أفرادها جميعا جندا له وزعماءها عن رعاية الأفراد .
ـ خص الشيوخ ومن لهم الصولة والجولة والتأثير ولهم مكانة عند قومهم بمنح موسمية ثابتة من رز أو بر أو دقيق .. وغير ذلك ، سعيا في تأليف القلوب وكسبا لهم لشدة تأثيرهم على قومهم .
ـ جعل على عاتق القبيلة كلها تحمل المسؤولية تجاه أي جريمة تقع أو مشكلة تحدث لديها أو بجوارها وإلزامهم بالتبليغ والمتابعة عند حدوث مثل هذا المر ، وتحذير أفرادها أن القبيلة التي لاتنفذ مثل ذلك تكون عرضة للمساءلة وستنال الجزاء الرادع والعقاب القاسي .
ـ استحداث سجل في ديوانه لهؤلاء القوم للحصول على شرهات مالية أو عينية .
ـ نظم لهؤلاء نظاما لمعرفة عددهم وتنظيم أحوالهم ـ يعرف بسجل للنفوس أو " حفيظة النفوس " .
ـ بنى في كل هجرة مسجدا لكي يصلي الناس فيه ، ومن أجل أن يتدارسوا ويتعلموا أمور دينهم ودنياهم .

الأمور التي استعان الملك عبد العزيز بها لتحقيق هذا الحدث العظيم

كان من الأمور والأشياء التي استعان بها الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن الـ سعود رحمه الله لتحقيق هذا الحدث الكبير وإنجاح وإنجاز هذا المشروع الإنساني العظيم وإظهاره إلى حيز النور والواقع هو :
ـ بالاعتماد على الله عز وجل قبل كل شيء ثم على الذات : فلقد انطلق رحمه الله من الإمكانات الذاتية لديه ، وبما وهبه الله من سعة أفق وحسن تصرف وقوة عزيمة ، ثم بالاستعانة والاعتماد على الرجال المخلصين
ـ استفادته رحمه الله استفادة عظيمة من اطوار التاريخ والتعلم من التجارب التي سبقته ، فأقام دولته على أساس ديني متمثلا في نشر التوحيد الخالص والدعوة ‘لى إعلاء كلمة الله تعالى والدعوة إلى تحكيم الشريعة ، ليقينه أن الدين ماهو إلا مصدر إلهام وقوة دفع حضاري لتنشيط ابناء المجتمع الواحد للعمل والبناء ، مايؤدي إلى أمة متماسكة متعاونة ومتحضرة تمقت التعصب القبلي وتحارب التفرق والنزاع ، وبهذه الطريقة نمت العاطفة الدينية وتآلفت المجموعة الصالحة ( فرق الإخوان ) .
ـ سعيه الصادق والحثيث إلى إقامة دولة وحكما يوّحد ويلم الشمل ، يجمع ولايفرق يدعو إلى الائتلاف ويمقت الاختلاف ، نداءه إلى الإخوة المتنازعين بالحرص على وشائج الإخوة الإيمانية وشعار العقيدة الإسلامية " لأن رابطة العقيدة أقوى روابط تماسك الجماعات .. فوحد العقيدة التي تؤدي إلى وحدة الجماعة .. لأنه كلما نمت وحدة العقيدة في النفوس ذابت الأهواء والغايات الفردية الضيقة في سبيل غايةٍ أسمى هي صالح الجماعة " (7)











من مآثر هذا المشروع العظيم وفوائدة

لاشك أن مشروع توطين أهل البادية في البوادي والهجر من أعظم المشاريع التي أرسى دعائمها مؤسس هذا الكيان .. حيث كانت الانطلاقة الحقيقية للتعلم والتقدم والتطور لسكان الهجر .. فاستأُصلت جذوة التخلف وأُزيلت شأفة الجهل بنور العلم والتعلم ، فانتشر الوعي وزاد التفقه عند هؤلاء السكان ، " فلايشردون ، ولاينهبون بل يحاربون حباً للجنة وخوفاً من النار وعرفوا الشرع فخافوا عاقبة الفرار "(8) فتعرف البدوي عن كثب على أمور دينه وعرف ما ينفعه أو ما يضره .
ـ التمسك بالاستقرار والارتباط بالأرض الزراعية من خلال تعلم اساليب الزراعة والعمل فيها فصار للبدو وطن مستقر وعالم خاص يكد ويتعب من أجله
ـ شيوع مهنة التجارة وانتشار الأسواق فكثر البيع والشراء .. وازدهرت الحالة الاقتصادية والسكنية للهجر وتحسنت الأحوال المعيشية وازدادت الروابط الاجتماعية .
ـ تعديل فردية المواطن الصحراوي إلى ولائه للمواطنة الجماعية ، ماغرس الوطنية الصادقة وروح الانتماء في ذاته تجاه الدولة ومكتسباتها ، مما كان له أثر ناجع في تقوية دعائم الأمن الداخلي .
ـ استبدال حياة الترحال والتنقل بالإقامة وحال البداوة بالحضارة ، والجهل بالعلم ، والأمور الشركية والأراجيف التي كانت سائدة بمعرفة التوحيد الخالص والتمسك به .
ـ انتشر الأمن والاستقرار فصارت القبيلة كلها متضامنة متكافلة ، تظللها غيمة التآلف وتنمو بداخلها بساتين التحابب والتعاضد في ظل دولة واحدة وحكم واحد يسعى بكل الوسائل الممكنة وبكل ما أوتي من قوة إلى الاتحاد ولم الشمل
ـ كان لحسن الإدارة الحازمة والفاهمة والعادلة فضل بعد الله عز وجل فقد ألقت في القلوب الرهبة والخشية ، فكان لسياسة الحزم والزجر والترغيب والترهيب والتهديد والوعيد المفعول القوي والناجع في نفوس وسلوكيات وطباع الرعية " فتطورت الأخلاق من حسن إلى أحسن وتبدلت العادات من البداوة الخشنة الجاهلة على الحضارة الآمنة المتعلمة "(9) . وأعرض السكان عن الخصال والعادات الباطلة فأصبحوا بنعمة الله إخواناً .
ـ تطهير البادية من شرور ما يعرف " بالغزو " وما كان سائدا من فرض للإتاوات واللصوصية والتي كانت مستساغة بل ومشروعة عند أهل البادية ، فتم ترسيخ قواعد الأمن عن طريق الضرب بيد من حديد على كل مخالف أو مخل بالأمن أو عابث أو مفسد ،فتحسن الوضع الأمني فأصبح الراكب يسير في هذه الصحراء الموحشة لوحده أياما عدة وليال طوال لا يخاف من قتل أو أن يعترضه " حنشل " وقطاع طرق , وهذا وأيم الله نعمة عظيمة وفضل كبير .
ـ كان لهذا النظام وهذا المشروع أثر إيجابي في كافة المجالات الاجتماعية والعلمية والدينية والثقافية والسياسية والحربية والأمنية
ـ فمن الناحية الدينية كان لهذا التوطين المبني على أساس ديني أن قضى على اعتداءات أهل البادية فيما بينهم ، مما أدى إلى انتشار روح العدل والطمأنينة والأمن والدعة بين القبائل .
ـ كان له أثر في إحياء الصحوة الدينية لدى هؤلاء البدو فصار فيه وحدة متينة ورابطة قوية ين القبائل بالتمسك بالشريعة الإسلامية الغراء .
ـ كان لهذا التوطين أثر ملموس في حب التعلم والمعرفة عند سكان الهجر مما أحدث نقلة حضارية في مجال التعلم وفق التشريع الإسلامي .
ـ كان من الفوائد المجنية من توطين البدو ان نفعه عم سكان شبه الجزيرة العربية حيث تغيرت الأوضاع الاجتماعية للسكان وتغير أسلوب الحياة الذي كان يطغى عليه العنصر القبلي والذي يسوده التشرذم والفقر والجهل والشتات وأيضا كانت تحوف به عوامل طبيعية من جبال وصحراء قاحلة مترامية الأطراف ، ولكن باستيطان تلك القبائل في تلك الهجر ازداد اتحادهم فأصبحوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، مما أدى بطبيعة الحال إلى تحسين وضع الدولة ككل اجتماعيا واقتصاديا .
ـ كان من ثمرات التوطين أن جعل القبائل تختلط مع بعضها البعض ، وتتصاهر ، فكان ذلك مدعاة في زيادة التكافل الاجتماعي ، فقوّي بالتالي بنيان الأمة ، وتوّثق عراه .
ـ استفاد الملك عبد العزيز الـ سعود من هذه الهجر سياسيا وحربيا فقد كانت تلك الهجرعبارة عن معسكرات منتشرة في أنحاء البلاد و" الإخوان " جند هذه المعسكرات الذين " تسيطر عليهم الروح المعنوية العالية بسبب الإيمان الذي يدفع الفرد منهم إلى الاستشهاد في سبيل الله من أجل نشر الدعوة الإسلامية " (10) .
فكون منهم جيشا متطوعا متحملا للمسؤولية ، ويستميت في سبيل الهدف السامي والنبيل الذي رسم له ويطمح إليه ، ويكون أفراد هذا الجيش تحت أمرته ورهن تصرفه عند الحاجة وفي أي وقت يشاء
ـ كانت هنالك فوائد جمة من الناحية الأمنية حيث قضى على الجريمة وأصبح فيه قدرة لا يستهان به عند مواجهة الخارجين على النظام ومثيري الفوضى بل والقضاء عليهم فأدى ذلك إلى أمن السبيل وشعر المواطن بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي الذي انعكس إيجابيا على تفكير الجميع بأن يتفرغوا للعمل والبذل والعطاء .











العقبات التي واجهته عند تنفيذ هذا المشروع


من نافلة القول هو أن كل عمل إذا أُريد له أن ينجز على خير ما يكون ويؤمل لابد أن تعترضه بعض العقبات الكؤودة التي حتما تحد من نجاحه سواء كانت ظواهر طبيعية أو عادات ومفاهيم قبلية أو بما نزوات بشرية ، ولكن بفضل من الله تعالى استطاع الملك عبد العزيز رحمه الله من التغلب على هذه العقبات وتلك المعوقات والعراقيل وتمكن من اجتيازها بيسر وسهولة وهذا بطبيعة الحال توفيقا من الله أولا ثم بما وهبه الله من صفات عظيمة تجلت في شخصيته من هيبة وقوة إرادة وتصميم ، وحسن تخطيط ووعيه ومعرفته بالتاريخ والحرص على الاستفادة من عِبرِه ودروسه وتجاربه ، ومن هذه العقبات التي تحد من نجاح المشروع هو في سعة البلاد وترامي أطرافها مما صعب التحكم فيها .
ـ عزوف كثير من سكان الهجر عن حب الدنيا زهدا فيها وترك وسائل العيش المتاحة ، لأن هجرتهم حسب ما كان يمليه عليهم شعورهم النفسي هو أنها هجرة دينية محضة ، فكان هذا سببا مباشرا لترك واجباتهم الدنيوية كعدم حرث الأرض أو زراعتها وعدم استصلاحها ، فانصرفوا إلى الصلاة والتعبد تاركين مهمة العناية بذلك لربات الخدور.
ـ عصبية بعض القبائل فيما بينهم وشدة التزمت الديني على غير قدر من العلم بل وتكفير بعض القبائل لمن خالفهم حتى أنهم كانوا يكفرون من يبقى على البداوة مثلا .
ـ اندفع بعضهم في المغالاة فاعتقد أن كسب المادة ليس من صفات الرجل الصالح المؤمن مما جعل الفريق المغالي أن أصبح عالة ( وعبئاً) على الدولة "( 11)
ـ وجود أفراد في هذه الهجر شقوا عصا الطاعة فاتبعوا سياسة خلق الفتن وإشاعة الكراهية بل والتآمر مع الأعداء .
ـ ترسب خشونة وغلظة البداوة في نفوس بعض السكان والوقوف ضد الإصلاح والتقدم ، وهذا مفهوم ترسخ لدى الجهلة منهم اعتقادا منهم أن هذا ابتداعا فيرونه مروقا في الدين .. لهذا تفشى الغلو والإفراط مما أوجد الفرقة والاختلاف في الدين فتولدت الشحناء والبغضاء فكان أن استعرت أوار القلاقل وتأججت المشاكل .
ولهذا الملك عبد العزيز لم يهن له حال ولم يهدأ له بال أو يرتاح له وجدان إلا بعد أن قطع دابر هذه الخصومات الخطيرة وقضى على هذه الأفكار الساذجة وتلك العادات البدائية فقد وجد لهذه العوائق مسلكاً ومخرجاً نيراً ، فكان ذلك نعم المخرج ونعم الاختيار والخيار فقد قام بإصدار فتاوى وخطب من رجال وعلماء الدين الصالحين الذين يشهد له بالتقى والورع لتبيان وتوضيح أن تلك الأفعال والأقوال وتلك العادات المنافية ليست من الإسلام بشيء ... ودعوة هؤلاء البدو القساة في الفكر والطبع بضرورة العمل المفيد والكسب المشروع والسعي في الزراعة .. " فإن مؤمناً غنياً خير من مؤمن فقير " ، وأن عليهم بالتفقه في الدين وأخذ العلم الشرعي من أهله الثقاة ومن مصادره الموثوقة . ونصحهم بأن عليهم البعد عن هذه الصراعات القبلية والمذهبية والتي هي أشد عوامل الهدم والتخريب ، وإمعانا في رغبته في تغيير التركيبة الفكرية لدى هؤلاء البدو هو أنه إذا لم يكن لتلك الرسائل والوسائل نجاعة ملموسة فإنه يسارع بإرسال مرشدين ووعاظ لتوضيح الحق من الباطل لهؤلاء محذرهم بأن من دأب على المعارضة والرفض الغير مبرر وإصراره على الضلالة كان ذلك مدعاة لاستخدام القوة ضده وإشهار السيف لنشر الأمن وبسطه وزجر المتمرد وإعادته لجادة الصواب وهو صاغر .



الخاتمة

إن مشروع توطين البادية يعتبر من مآثر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الـ سعود والذي سجل بمداد من ذهب على صفحات التاريخ ، فبهذا العمل الجبار وحد هذه البلاد ولم شتاتها ، فأضحت كيانا متجانسا مترابطا مستقرا ـ بفضل من الله عز وجل ثم بفضل نظام الدولة الحديثة الذي أرسى دعائمه الملك عبد العزيز وواضع لبنات هذا الكيان الكبير الذي ننعم ولله الحمد والمنة بخيراته ونستأنس في ظلاله بالاستقرار والرخاء والازدهار .
إن تجربة الملك عبد العزيز في توطين أهل البادية في الهجر لهي تجربة فريدة من نوعها ، فهي تجربة عملية تطبيقية صالحة يتسنى للغير بأخذها من أجل الاستفادة منها ، لأن بها انحلت المعضلة الكبرى التي كانت ومازالت تواجه الكثير من البلدان في كيفية لم شمل المواطنين والتي لم يعتد بها أن أدى إلى فشل الكثير من التجارب العربية والإسلامية في قضية التوحيد واندماج المجتمع في ( بوتقة واحدة ) .
وهذه التجربة كان النجاح حليفها لآن من أساسيات قيامها ونجاحها ، هي أن النية الصادقة للإصلاح ، وكذا استمالة القلوب على المحبة والإخوة في الله ، والاستقامة من جميع العناصر والفئات الموجودة ، والعناية بأمن المواطن ورخائه .. هذه الأسس الصلبة وهذه الأفكار النيرة لو أنها وجِدت في كثير من التجارب العربية وتم تطبيقها .. لما تعرضت محاولاتها وتجاربها للكثير من الإخفاقات المتلاحقة الناجمة عن محاولة التوحيد بالقوة والتسلط أو الاهتمام بجانب مع إهمال جوانب أخرى ذات أهمية قصوى .
إن من الأهمية بمكان أن يهتم العالم العربي والإسلامي بخطوات تلك التجربة الناجحة والناجعة في آن واحد ، والتي قام بها الملك عبد العزيز الـ سعود طيب الله ثراه ، والاستفادة منها ، لأنها كانت النواة الأولى والبداية الصحيحة لاتحاد وتكاتف هذا المجتمع السعودي وتقدمه حتى يومنا هذا ، ولله الحمد والمنة .















الهوامش

1ـ البناء القبلي والتحضر في المملكة العربية السعودية ـ تأليف سعيد الغامدي ص 217
2ـ تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ص 143
3ـ تاريخ المملكة العربية السعودية للمؤلف : صلاح الدين المختار مجلد الثاني ص 143
4ـ تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ص 144، والوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص70 ، من حياة الملك عبد العزيز ـ المؤلف : عبد العزيز الأحيدب ص190
5ـ الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص70 ، صحيفة عكاظ العدد 11793 ص 9
6ـ صحيفة عكاظ العدد 11793* وذكر خير الدين الزركلي في كتابه الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز : أن عددها بلغ في عهد الملك عبد العزيز 153 هجرة
7ـ مقرر : تاريخ الدولة السعودية ـ بنات ـ الصف الثاني الثانوي ص 117
8ـ تاريخ الملك من حياة الملك عبد العزيز للمؤلف عبد العزيز الأحيدب ص 195
9ـ تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ـ المجلد الثاني ص 156
10ـ شبه جزيرة العرب " نجد " للمؤلف محمود شاكر الطبعة الثالثة ص 231
11ـ تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ص 144





تأليف: زبن دليل الغبيوي

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 5242


خدمات المحتوى


التعليقات
#8188 Saudi Arabia [مدير التحرير]
0.00/5 (0 صوت)

10-11-2012 10:54
اشكر كاتبنا الاستاذ / زبن الغبيوي

[مدير التحرير]

#8222 Saudi Arabia [غازي عباس الروقــي]
5.00/5 (1 صوت)

10-15-2012 11:08
كان الملك عبدالعزيز يعرف النفسية الدقيقة لفهم البدو والعرب عامة وبناء على التقدير الصحيح لمشكلات البدو الرحل قام بوضع خطة شاملة محكمة تتحقق بها الوحدة الكاملة للقبائل المحاربة التي لم يكن يجمعها أي رابط وقد كانت هذه الفكرة هي تكوين جيش كامل ومنظم، ولقد نظم هذا الحشد الكبير من الجند ووحده على منهج اسلامي متكامل وهو تحقيق غاية اسلامية مؤكدة ولم يكن من أي حاكم سابق ان ولى البدو أي أهمية فكل شيء كان موجهاً للحضر فقط أما البدو فهم مشتتون متفرقون في الصحراء مسيطر عليهم بالتهديد والوعيد، وما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن جعل قضية البدو وتوطينهم أمراً لا حدود لعظمته ولا حصر لفوائده وليس له حدود لنتائجه.
ولقد وفر لهم البناء بالجوار وجلب لهم مواد البناء حتى يشعروا بمعنى الانتماء الى الارض وقدم لهم مواد حفر الآبار ليستخرجوا الماء وهذا الشعور الذي فقدوه طويلاً كانت له نتائجه الطيبة فقد توفرت لهم مقومات المواطنة الصحيحة والاحساس بالأمن في ظل نظام مستقر كما توفر لهم الاستقرار الاقتصادي بعد ترحال في الصحراء الشاسعة
كاتبنــآالمميز ابوراكــآن..رلقدارويتنـآمن معينك الذي لا ينضب
مشكور وبارك الله فيك

[غازي عباس الروقــي]

#8244 [سارة الغبيوي]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2012 11:23
الف شكر للمبدع زبن

[سارة الغبيوي]

ردود على سارة الغبيوي
[الزين كله] 11-11-2012 02:59
نشكر الكاتب زبن


#9548 Saudi Arabia [عبدالعزيزحمود]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2013 07:20
بحث جدير بالاهتمام لجودة محتواه كان بحق مشروع الملك عبدالعزيز رحمه الله اللبنه الاولى وبناء التنميه بكل ابعادها شكرا للاستاذ زبن بن دليل على هذا البحث الثري بمضامينه بمختلف جوانبه وفقك الله وسدد خطاك
اخوك/عبدالعزيزحمود بندر

[عبدالعزيزحمود]

#11862 Saudi Arabia [جود]
0.00/5 (0 صوت)

10-26-2013 08:00
مشكور على المقال

[جود]

الأستاذ / زبن دليل الغبيوي
الأستاذ / زبن دليل الغبيوي

تقييم
6.55/10 (10 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.